آلية أمراض أعضاء الجسمنظرية جديدة تربط بين رد الفعل للضغط النفسي ونوع المرض
- بقلم : أميرة عمر
- 30 أكتوبر 2025
- 5 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 22 ديسمبر 2025

أنا لا أكتب هنا لأستبدل الطب، ولا لأحوّل الجسد إلى “رمز” فقط. أكتب لأنني رأيتُ، في العمل مع النساء وفي مساري مع الطب الشمولي الموحّد، أن كثيرًا من الأعراض لا يمكن فهمها إذا بقينا أسرى لغة واحدة فقط؛ لغة التحليل البيوكيميائي وحدها، أو لغة المعنى النفسي وحدها. الجسد ليس جهازًا ميكانيكيًا يعمل ويختلّ وفق أعطال معزولة، وليس أيضًا مرآة نفسية تُسقط عليها المشاعر فحسب. الجسد ذكاء حيّ، يملك منطقًا كهربائيًا-حيويًا، ويتحرّك بإيقاع. وحين يواجه الإنسان حدثًا يتجاوز طاقته على الاستيعاب، لا يُسجَّل الأثر في الذاكرة النفسية فقط، بل يُكتَب في النسيج، وفي مسارات الطاقة، وفي صمت الخلايا. ما أقدّمه هنا هو طرح مُعمّق يستند إلى تعلّمي من الدكتور نادر بطّو وقراءتي المتواصلة لمقالاته وكتبه، وإلى المنظار الحيوي-النفسي-الاجتماعي الذي يوسّع مفهوم الصحة ليصبح حالة رفاه بدني ونفسي واجتماعي، لا مجرد غياب للمرض. وما أضيفه، وأشعر بقربه مني، هو أن نقرأ المرض بوصفه رسالة إيقاع، لا كعقاب ولا كخطأ، بل كتعطّل في نبض الحياة داخل عضو محدّد.
في هذا النموذج، الضغط النفسي ليس فكرة عابرة ولا حالة شعورية مؤقتة، بل هو تبدّل شامل في منظومة التنظيم بأكملها: في الجهاز العصبي الذاتي، وفي محاور الهرمونات، وفي المناعة، وفي السلوك، وفي الإدراك. لذلك يصبح السؤال الأعمق ليس “هل هناك ضغط؟” بل ما شدّته، وهل يستطيع الجسد أن يُكمِل دورة الاستجابة ثم يعود إلى الراحة. في الظروف الطبيعية، حتى في وجود تهديد أو توتر، يمتلك الجسد القدرة على الاستجابة ثم العودة بسرعة إلى حالته المتوازنة. لكن حين يبقى الحدث عالقًا لأنه لم يُستوعَب، أو لم يُعبَّر عنه، أو لم يُحلّ، أو لأنه كان أكبر من الطاقة المتاحة، يتحوّل الضغط إلى حالة مزمنة، أي أن العضو يبقى محبوسًا داخل حلقة دفاعية مستمرة وكأن الخطر لم ينتهِ بعد.
شدة الضغط النفسي في هذا الطرح تُقاس بميزان دقيق بين قوة الحدث من جهة، وقدرة الإنسان الذاتية على الاحتواء من جهة أخرى. الحدث يُقاس بما فيه من فجائية وتهديد ومعنى، أما القدرة فتتوزّع على موارد نفسية تتعلق بالمرونة وإيجاد المعنى والتعبير، وموارد بيولوجية تتعلق بسلامة الجهاز العصبي والغدد الصماء والمناعة، وموارد حيوية تتعلق بالطاقة المتاحة فعلًا من نوم وتغذية ودعم واستنزاف سابق وصدمات قديمة. أحيانًا يكون الحدث صغيرًا في ظاهره، لكن الحيوية منهكة، فيُعاش كحدث ضخم يضغط الجسد بقوة. وأحيانًا يكون الحدث كبيرًا، لكن وجود دعم ومعنى وحضور يسمح للجسم بأن يهضمه بدل أن يتحوّل إلى عُقدة.
الخوف في هذا النموذج لا يُفهم كعاطفة فقط، بل كدرجة تفعيل في منظومة الدفاع العصبي-الحيوي. هناك قلق يتجلّى كتوتّر ويقظة مفرطة وصعوبة في التهدئة، وهناك خوف يظهر كتأهّب واضح وتركيز على التهديد وشدّ في الجسد، وهناك ذعر يتجاوز قدرة الاستيعاب وقد يفتح باب اضطراب ما بعد الصدمة، وهناك رعب أو عجز ينهار فيه الفعل وتظهر حالة تجمّد أو شلل أو انفصال. الفرق بين الأزمة والصدمة هنا جوهري؛ فالقلق والخوف غالبًا ما يكونان أزمة نفسية قابلة للاستيعاب إذا اكتملت الدورة، بينما الذعر والرعب يشكّلان صدمة تكسر الإيقاع وتحبس الاستجابة داخل الجسد.
جوهر هذا الطرح أن الحياة نفسها تتحرّك بإيقاع رباعي: إثارة، ثم توسّع، ثم انقباض، ثم استرخاء. هذا ليس توصيفًا شعريًا، بل ملاحظة حيوية يمكن تتبّعها في نبض القلب، وفي التنفّس، وفي الاستجابة العصبية، وفي وظائف الخلايا. عندما يصبح الضغط مزمنًا، لا يُكمل العضو هذا الإيقاع، بل يُحتجز في مرحلة معيّنة، ومن هنا يتشكّل نوع المرض بحسب المرحلة التي توقّف عندها النبض. إذا طال الاحتجاز في مرحلة الإثارة، يظهر فرط نشاط وفرط حساسية وتهيّج واضطرابات وظيفية، كجسدٍ يعيش في حالة استعداد دائم، مفتوح العينين حتى في الليل. وإذا حدثت العرقلة في مرحلة التوسّع، يحاول الجسد أن يخلق مساحة احتمال أكبر، فيظهر التضخّم وتكوّن الأكياس وزيادة سماكة الأغشية والإفرازات، كأنه يقول: لن أحتمل بهذا الحجم، سأكبر لأتّسع. أما إذا كانت العرقلة في مرحلة الانقباض، فيتجلّى الدفاع الصلب على شكل كتل وعقيدات وتشنّجات وتصلّب والتهاب، كقبضة تحفظ الألم كي لا يفيض. وحين تقع العرقلة في مرحلة الاسترخاء، تنخفض الطاقة ولا يعود النسيج قادرًا على التجدد، فيظهر القصور والرخاوة والوهن، ومع استنزاف شديد قد تتشكّل أنماط أكثر تعقيدًا. هنا من المهم التوضيح بدقة أن الحديث ليس عن “مرض نفسي”، بل عن استنزاف مزمن يغيّر الخصائص الكهربائية-الحيوية للخلايا وقدرتها على التنظيم، وقد يكون جزءًا من سياق المرض عند بعض الناس.
من هنا نفهم لماذا يمكن أن يظهر في العضو نفسه أكثر من شكل مرضي. فالأزمة النفسية قد تكون واحدة، لكن المرحلة التي تعرقل فيها الدورة ليست ثابتة، كما أن شدة الخوف ومستوى الحيوية وطول زمن العلوق تغيّر شكل التجلّي. في الغدة الدرقية مثلًا قد يقود القلق المزمن إلى فرط النشاط، وقد يقود الخوف الممتد إلى التضخّم، وقد يقود الهلع إلى العقيدات، وقد يقود الاستنزاف الطويل إلى القصور، وكل ذلك ضمن منطق واحد هو منطق المرحلة.
أما مسألة اليمين واليسار، فهي تُطرح هنا كبوصلة قراءة لا كقانون جامد. الجسد يحمل قطبين: قطبًا يميل إلى الذكورة بمعاني الفعل والحزم والسيطرة والمنطق والإسقاط نحو الخارج، وقطبًا يميل إلى الأنوثة بمعاني الاستقبال والحدس والعلاقة والعمق الداخلي. يُلاحظ أن ثقل الضغط عند كثير من الرجال يميل إلى الظهور في الجانب الأيمن، وعند كثير من النساء في الجانب الأيسر، ليس لأن المرأة أضعف، بل لأن جهازها العصبي-الرمزي غالبًا ما يعمل من نافذة الاستقبال والاحتواء. الحدث نفسه قد يترك بصمته في جهة مختلفة بحسب كيفية عيشه؛ هل هو صراع أمام سلطة أو مؤسسة أو شريك أو أب، أم هو جرح في علاقة أو أمومة أو انتماء. هذه ليست فلسفة مجردة، بل محاولة لفهم لماذا يختار الألم جهة بعينها.
العضو نفسه ليس طبقة واحدة، بل يتكوّن من طبقات جنينية مختلفة، وكل طبقة تحمل معنى إدراك مختلفًا. في هذا النموذج، حين تُعاش الأزمة كتهديد للبقاء تميل الإصابة إلى الأنسجة المشتقة من الأديم الباطن، وحين يُعاش الحدث كنقص في الدعم تميل إلى الأديم المتوسط، وحين يُعاش كفراق أو انفصال أو قطع اتصال تميل إلى الأديم الظاهر. بذلك يصبح اختلاف نوع المرض داخل العضو الواحد مرتبطًا ليس فقط بالعضو، بل بالطريقة التي دخل بها الحدث إلى الجهاز العصبي وكيف فُسِّر داخليًا.
على المستوى العملي، يمنحني هذا الفهم مفاتيح واضحة في العمل مع نفسي ومع النساء. أولها أنني لا أتعامل مع المرض كعدو، بل كإشارة تسأل: أين توقّف الإيقاع، وأين يحتاج الجسد أن يُكمِل دورته. ثانيها أنني أبحث عن مستوى الخوف الحقيقي الذي يحمله الجسد، لا فقط الخوف الذي يُقال بالكلمات، فقد تقول امرأة إنها بخير بينما جسدها في ذعر أو تجمّد، وهنا تبدأ الرعاية الفعلية. ثالثها العمل على إعادة الإيقاع عبر تنظيم الجهاز العصبي، وحلّ الأزمة العالقة، ورفع الحيوية من خلال النوم والغذاء والحركة والمتعة والعلاقة. ورابعها الحفاظ على الجسر مع الطب، لأن هذا الفهم لا يُلغي التشخيص ولا العلاج، بل يضيف طبقة الوعي والتكامل.
حين أفهم المرض بهذا المنظار، تتبدّل علاقتي بجسدي. أتوقّف عن معاملته كآلة خذلتني، وأبدأ برؤيته كحقل حيّ يريد أن يكتمل. في عمق هذه الرؤية، الشفاء ليس إلغاء العرض فقط، بل استعادة نبض الحياة؛ أن نعود من التجمّد إلى الحركة، ومن الانقباض إلى الأمان، ومن الاستنزاف إلى تغذية الروح والجسد، ومن الخوف إلى معنى قادر على حملنا.
هذا النص هو إعادة كتابة وتأمّل وتوسيع مبني على تعلّمي من الدكتور نادر بطّو ضمن نهج الطب الشمولي الموحّد، وعلى قراءتي لكتبه ومقالاته المنشورة في International Journal of Psychiatry Research وغيرها. أقدّمه كطرح تكاملي للتثقيف والوعي وفهم العلاقة بين النفس والجسد، وليس كبديل عن التشخيص أو العلاج الطبي.








