تشريح الشر
- بقلم : أميرة عمر
- 29 أكتوبر 2025
- 3 دقيقة قراءة
مقاربة نفسية،وجودية وروحية لفهم نشأة الشر الإنساني

لم يأتِ هذا البحث من موقع مراقب محايد، ولا من فضول فلسفي منفصل عن التجربة، بل نشأ من تماس طويل مع التجربة الإنسانية في لحظاتها الهشّة؛ لحظات الألم، الخوف، والانفصال الداخلي. خلال الإصغاء لمسارات بشرية متنوّعة، وفي التأمل في تجارب فردية وجماعية، برز أمامي تناقض متكرر يصعب تجاهله: إنسان يحمل نوايا أخلاقية صادقة في وعيه المعلن، يسعى للخير ويؤمن بالقيم، لكنه في ممارساته اليومية قد يكون قاسيًا، مؤذيًا، أو مشاركًا في إلحاق الأذى، دون أن يشعر في داخله بأنه يمارس شرًا. هذا التناقض فتح سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه: ما الذي يحدث داخل الإنسان عندما ينقطع عن الإحساس؟ ومتى يتحول الألم غير المعترف به إلى قسوة، وتتحول آليات النجاة إلى أدوات أذى؟ من هنا، لم يعد تشريح الشر بالنسبة لي محاولة للتصنيف أو الإدانة، بل مسارًا لفهم الآليات النفسية والروحية العميقة التي تسمح للإنسان بأن يؤذي دون أن يرى نفسه فاعلًا لذلك.
يُعدّ الشر من أكثر المفاهيم التباسًا في الفكر الإنساني، إذ غالبًا ما يُختزل إما في إطار ميتافيزيقي يجعله قوة مستقلة قائمة بذاتها، أو في إطار أخلاقي تبسيطي يربطه بالنية السيئة وحدها. غير أن التجربة الإنسانية، كما تكشفها الوقائع النفسية والتاريخية، تشير إلى أن الشر لا يظهر فقط في الأفعال العنيفة الصريحة أو في لحظات الانفجار القصوى، بل يتسلل إلى الحياة اليومية عبر أنماط صامتة من التبرير، الطاعة، الإنكار، واللامبالاة. كثيرًا ما يظهر الشر في صورة “القيام بالواجب”، أو “تنفيذ التعليمات”، أو “حماية النفس”، بحيث يصبح الأذى نتيجة جانبية مقبولة، أو حتى غير مرئية. هذا ما يجعل دراسة الشر إشكالية، لأن فصله عن البنى النفسية والتوعوية التي يتشكّل داخلها يؤدي إلى مقاربة سطحية تعجز عن تفسير استمراريته وقدرته على التكيّف داخل الأفراد والمجتمعات.
تنطلق هذه المقالة من فرضية أساسية مفادها أن الشر ليس جوهرًا ثابتًا في الإنسان، ولا حقيقة أنطولوجية قائمة بذاتها، بل عملية دينامية تتشكّل عندما يحدث انفصال تدريجي بين الإنسان وذاته الداخلية. هذا الانفصال لا يكون بالضرورة واعيًا أو متعمّدًا، بل ينشأ غالبًا نتيجة قمع المشاعر، الخوف غير المعالج، أو التكيّف القسري مع منظومات قيمية وأيديولوجية لا تتيح للفرد التعبير عن تعقيده الداخلي. ومع تراكم هذا الانفصال، يفقد الإنسان قدرته على الإحساس بالصلة الأخلاقية بين فعله ونتائجه، فيصبح السلوك المؤذي ممكنًا دون تجربة داخلية واضحة للذنب أو الصراع. في هذه الحالة، لا يشعر الإنسان بأنه “يفعل شرًا”، بل يرى نفسه متكيّفًا، منضبطًا، أو مضطرًا.
يقدّم علم النفس التحليلي، كما صاغه كارل غوستاف يونغ، مفهوم “الظل” كأحد المفاتيح المركزية لفهم هذه العملية. فالظل يضمّ تلك الأجزاء من النفس التي يرفض الوعي الاعتراف بها: دوافع عدوانية، رغبات في السيطرة، مشاعر ضعف، خوف من العجز، أو احتياجات عميقة للحب والاعتراف لم تجد مساحة شرعية للظهور. الظل بحد ذاته ليس شريرًا، لكنه يتحوّل إلى مصدر للشر عندما يُقصى عن الوعي ويُترك ليعمل في الخفاء. في هذه الحالة، يلجأ الإنسان إلى الإسقاط، فيرى في الآخر ما يعجز عن رؤيته في نفسه، فتتشكل آليات نزع الإنسانية التي تبرّر الإيذاء باسم الأخلاق، الأمن، أو الحقيقة. هكذا يصبح الآخر خطرًا، تهديدًا، أو أقل قيمة، ويغدو الأذى مبررًا أخلاقيًا.
لا تقتصر هذه الديناميات على المستوى الفردي، بل تمتد إلى البنى الجماعية، حيث تتشكّل ظلال جمعية تُسقَط على مجموعات محددة. في مثل هذه السياقات، يصبح الشر جزءًا من خطاب ومنظومة، لا مجرد فعل فردي. تُظهر التجارب التاريخية أن الشر قد يتجسّد من خلال الطاعة والامتثال داخل أنظمة تُجزّئ المسؤولية وتحوّل الإنسان إلى منفّذ دور، لا فاعلًا أخلاقيًا مستقلًا. هذا الشكل من الشر، الذي وُصف بـ“تفاهة الشر”، يُمارَس بهدوء، داخل ما يبدو طبيعيًا ومنظمًا، وغالبًا دون صراع داخلي، لأن الضمير يُستبدل بالإجراء، والسؤال الأخلاقي يُستبدل بالتعليمات.
من المنظور الصوفي، يُفهم الشر بوصفه نتيجة لقسوة القلب واحتجابه عن الحقيقة. القلب هنا لا يُختزل في البعد العاطفي، بل يُفهم كأداة إدراك روحي وأخلاقي. وعندما يغيب الذِكر، أي الوعي الحي بالصلة العميقة بين الإنسان والوجود، يتحول الآخر إلى كيان منفصل فاقد للقداسة. في هذا السياق، لا يكون الشر تعبيرًا عن كراهية مباشرة، بل عن نسيان العلاقة، حيث يُستبدل الحضور بالسيطرة، والمعنى بالقوة. هذه الرؤية لا تلغي المسؤولية الأخلاقية، بل تعمّقها، لأنها تعيد الشر إلى جذره كحالة وعي منقطعة، لا كهوية ثابتة.
إن مقاربة الشر بوصفه عملية انفصال لا تعني تبرير الأفعال المؤذية أو نفي المحاسبة، بل تعني نقل التركيز من الإدانة السطحية إلى فهم الشروط التي سمحت بحدوث الأذى. الفهم العلاجي للشر يبدأ بإعادة الوصل: وصل الإنسان بظله بدل محاربته، وصل الجرح بالمعنى بدل إنكاره، ووصل القوة بالمسؤولية بدل إطلاقها دون وعي. هذا الفهم لا يهدف إلى إلغاء الحدود، بل إلى منع إعادة إنتاج الشر عبر تفكيك جذوره النفسية والروحية.
ما تسعى إليه هذه المقالة ليس تقديم تعريف نهائي للشر، بل الدعوة إلى منهجة فهمه. أي الانتقال من ردود فعل أخلاقية سريعة إلى وعي متدرّج يرصد شروط تشكّل الشر قبل أن يتحول إلى فعل. منهجة فهم الشر تعني أن نتعلّم السؤال: أين يحدث الانفصال؟ أين يُقمع الشعور؟ وأين يُستبدل المعنى بالسلطة؟ في هذا المعنى، يصبح تشريح الشر فعلًا أخلاقيًا بحد ذاته، لأنه يعيد الإنسان إلى موقع الفاعل الواعي القادر على الرؤية، وبالتالي على الاختيار، حتى داخل أكثر السياقات قتامة.








